جلال الدين السيوطي
60
التحبير في علم التفسير
وروى ابن مردويه من طريق السّدي عن محمد بن أبي المجالد عن معمر عن ابن عباس أنه سأله عطية بن الأسود فقال : أوقع في قلبي الشّكّ قوله تعالى : شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [ ( 2 ) البقرة : 185 ] . وقوله : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وهذا نزل من شوال وذا في ذي القعدة إلى آخره « 1 » ، فقال ابن عباس : إنه أنزل في رمضان في ليلة القدر جملة واحدة ، ثم أنزل على مواقع النجوم ترتيلا في الشهور والأيام . وروى أحمد في مسنده عن واثلة بن الأسقع أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان ، وأنزلت التّوراة لستّ مضين من رمضان ، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان ، وأنزل اللّه القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان » . قال الفخر الرّازي : ويحتمل أنه كان ينزل في كل ليلة قدر ما يحتاج النّاس إلى إنزاله إلى مثلها من اللوح إلى سماء الدنيا وتوقف ، وهل هذا أولى أو الأول ؟ قال ابن كثير : وهذا الذي جعله احتمالا نقله القرطبي عن مقاتل وابن حيّان ، وحكى الإجماع على أن القرآن نزل جملة واحدة من اللّوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا . قلت : ويوافق قول الرازي ومقاتل : وما تقدم عن ابن شهاب أنه قال : آخر القرآن عهدا بالعرش آية الرّبا وآية الدين . الثانية : في قدر ما كان ينزل منه . روى البيهقي في شعب الإيمان من طريق وكيع عن خالد بن دينار قال : قال لنا أبو العالية : تعلّموا القرآن خمس آيات خمس آيات فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يأخذه من جبريل خمسا خمسا ، ثم روى مثله من طريق أبي جلدة عن أبي العالية ، عن عمر ولفظه : فإن جبريل كان ينزل بالقرآن على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم خمسا خمسا ، قال : ورواية وكيع أصح . قلت : وله شاهد عن علي سيأتي في المسلسل ، وفي النفس من هذا كلّه شيء ، والذي استقرئ من الأحاديث الصحيحة وغيرها أن القرآن كان ينزل على حسب الحاجة خمسا وعشرا وأكثر وأقلّ وآية وآيتين ، وقد صح نزول قصة الإفك جملة وهي عشر آيات ونزول بعض آية وهي قوله تعالى : غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ [ ( 4 ) النساء : 95 ] . الثالثة : كيفية الإنزال والوحي : قال شيخنا العلّامة الكافيجي وقبله الطيبي : لعلّ نزول القرآن على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أن يتلقّفه الملك من اللّه تلقّفا روحانيا أو يحفظه من اللّوح
--> ( 1 ) في التركية وهذا نزل في شوال وفي ذي القعدة ، وفي ذي الحجة وفي المحرم وصفر وشهر ربيع .